مسرح الكائن
كم هو عجيبٌ هذا الوجه !!
أتأمّل وجوه الناس · ثمّة ( توسّلٌ ) حنونٌ يفيض منها كلّها دون استثناء ، ويناقض الجوارح والملامح أحيانًا · أعلم أنّني أتحدّث الآن عن هذا الحنان وأنا في حالةٍ استثنائيّة أشبه بحالة حبٍّ ربّما · لكنّ هذا الّذي أراه في الوجوه كلّها ليس مجرّد إسقاطٍ نفسيّ فقط · إنّه أمر آخر بالتأكيد ، وعدا عن ذلك ، فإنّ حالة الحبّ الاستثنائيّة ، الّتي نعيشها أحيانًا وتجعلنا نحسّ بكلّ تلك الطمأنينة مع الكائنات ، هي لحظةٌ من لحظات الأبديّة الجديرة بأن تُقدَّس وتُستَعاد باستمرار ·
الوجوه ملأى بلحظات الأبديّة تلك · راقب وجه النائم · النوم انسحابٌ إلى الداخل · إنّه ليس غيبوبةً عن الذات ، بل غيبوبة فيها· النوم هو يقظة الأعماق ودخول الكائن في كيانه · كيف يستطيع وجه المجرم ، وهونائمٌ ، أن يكون بريئًا إلى أقصى حدٍّ ، وأن يشبه وجه ضحيّته ؟
كلّ الكائن موجودٌ هنا : في وجهه · السمع ، البصر ، اللمس، الشمّ ، الذوق ، النطق ·· كلّها موجودة في الوجه تحديدًا· كيف استطاع الكائن أن يحوّر العين ، مثلاً ، إلى ما هو أخطر وأجلّ من مجرّد جهازٍ للإبصار ·· إلى مرآةٍ مسحورةٍ تجعل المحدّق فيها يصاب ـ لوهلةٍ ـ بالهلع ، ويحسّ كما لو تتخطّفه الجنّ؟ كيف استطاع أن يحتشد كلّه في هاتين المرآتين المسحورتين ، وما الّذي يمكن أن تراه العين لو نظرت في ذاتها ؟
ü
الوجه ليس سطح الكائن · الوجه مسرح الكائن · كلّ شيءٍ يؤدّى عليه ويطلّ ، من خلاله ، على العالم ؛ والمسرح ، هنا ، ليس مجرّد مكانٍ للمؤدّي ، بل هو المؤدّي نفسه ، فالحواسّ تؤدّي في مسرحٍ هو هي · لو غطّينا الوجه لاختفت أغلبيّة انفعالات الكائن وتعابيره الفالتة منه : الحزن ، والفرح ، والبكاء ، والضحك، والخوف ، والغضب ، واليأس ، والاشمئزاز ، والدهشة ، والإغراء ، والحبّ ، والكراهية ، والإهمال ، والشرود، والخشوع ، والنعاس ··إلخ · تلك التعبيرات تؤدّى كلّها بالوجه وعلى الوجه · حتّى الحيوانات تستطيع أن تحتشد في وجوهها المزدحمة بالتعابير ·
والوجه ينفصل ، أحيانًا ، عن صاحبه ، ويقدّم تعبيراتٍ مضلّلةً عنه ، وهو الجزء الوحيد من الجسد ، الّذي لا يتوقّف عن التعبير حتّى في الموت · الموت لا يستطيع أن يوقف ذلك التعبير الّذي في الوجه إلاّ بهدم الوجه كلّيًّا · إنّ وجه الميت ليس وجهًا ميتًا ، لأنّه يظلّ مليئًا بالتعبيرات الصامتة المتشابكة ، الّتي تصلح للقـراءة · أحيانًا تحسّ بأنّه يبتسم أو يقطّب ·· أحيانًا تنزلق













