ثمرة الجوز القاسية / ضدّ الأنا ومع الذات (4)
كتبهازهير أبو شايب ، في 21 كانون الثاني 2008 الساعة: 01:18 ص
مسرح الكائن
كم هو عجيبٌ هذا الوجه !!
أتأمّل وجوه الناس · ثمّة ( توسّلٌ ) حنونٌ يفيض منها كلّها دون استثناء ، ويناقض الجوارح والملامح أحيانًا · أعلم أنّني أتحدّث الآن عن هذا الحنان وأنا في حالةٍ استثنائيّة أشبه بحالة حبٍّ ربّما · لكنّ هذا الّذي أراه في الوجوه كلّها ليس مجرّد إسقاطٍ نفسيّ فقط · إنّه أمر آخر بالتأكيد ، وعدا عن ذلك ، فإنّ حالة الحبّ الاستثنائيّة ، الّتي نعيشها أحيانًا وتجعلنا نحسّ بكلّ تلك الطمأنينة مع الكائنات ، هي لحظةٌ من لحظات الأبديّة الجديرة بأن تُقدَّس وتُستَعاد باستمرار ·
الوجوه ملأى بلحظات الأبديّة تلك · راقب وجه النائم · النوم انسحابٌ إلى الداخل · إنّه ليس غيبوبةً عن الذات ، بل غيبوبة فيها· النوم هو يقظة الأعماق ودخول الكائن في كيانه · كيف يستطيع وجه المجرم ، وهونائمٌ ، أن يكون بريئًا إلى أقصى حدٍّ ، وأن يشبه وجه ضحيّته ؟
كلّ الكائن موجودٌ هنا : في وجهه · السمع ، البصر ، اللمس، الشمّ ، الذوق ، النطق ·· كلّها موجودة في الوجه تحديدًا· كيف استطاع الكائن أن يحوّر العين ، مثلاً ، إلى ما هو أخطر وأجلّ من مجرّد جهازٍ للإبصار ·· إلى مرآةٍ مسحورةٍ تجعل المحدّق فيها يصاب ـ لوهلةٍ ـ بالهلع ، ويحسّ كما لو تتخطّفه الجنّ؟ كيف استطاع أن يحتشد كلّه في هاتين المرآتين المسحورتين ، وما الّذي يمكن أن تراه العين لو نظرت في ذاتها ؟
ü
الوجه ليس سطح الكائن · الوجه مسرح الكائن · كلّ شيءٍ يؤدّى عليه ويطلّ ، من خلاله ، على العالم ؛ والمسرح ، هنا ، ليس مجرّد مكانٍ للمؤدّي ، بل هو المؤدّي نفسه ، فالحواسّ تؤدّي في مسرحٍ هو هي · لو غطّينا الوجه لاختفت أغلبيّة انفعالات الكائن وتعابيره الفالتة منه : الحزن ، والفرح ، والبكاء ، والضحك، والخوف ، والغضب ، واليأس ، والاشمئزاز ، والدهشة ، والإغراء ، والحبّ ، والكراهية ، والإهمال ، والشرود، والخشوع ، والنعاس ··إلخ · تلك التعبيرات تؤدّى كلّها بالوجه وعلى الوجه · حتّى الحيوانات تستطيع أن تحتشد في وجوهها المزدحمة بالتعابير ·
والوجه ينفصل ، أحيانًا ، عن صاحبه ، ويقدّم تعبيراتٍ مضلّلةً عنه ، وهو الجزء الوحيد من الجسد ، الّذي لا يتوقّف عن التعبير حتّى في الموت · الموت لا يستطيع أن يوقف ذلك التعبير الّذي في الوجه إلاّ بهدم الوجه كلّيًّا · إنّ وجه الميت ليس وجهًا ميتًا ، لأنّه يظلّ مليئًا بالتعبيرات الصامتة المتشابكة ، الّتي تصلح للقـراءة · أحيانًا تحسّ بأنّه يبتسم أو يقطّب ·· أحيانًا تنزلق دمعةٌ من بين جفونه ·· أحيانًا تنفرج شفتاه كسؤالٍ ، لكن دائمـًا يظلّ يفيض منه ذلك ( التوسّل ) الّذي يجعلك ترتعش ·
ألِكلّ هذا اخترع الإنسان القناع والخِمار ؟
ليطمس الملامح أم التعبيرات ؟
ليطمسها ، أم ليخفيَها ، أم ليغيّرها ؟!!
ألِكلّ هذا كان الإنسان يلجأ ، منذ أقدم العصور ، إلى تأثيث وجهه بالماكياج والنظّارات والحَلَق والوشم وغيرها ؟ أهي حقًّا مجرّد رغبةٍ في التجمّل ؟ إنّ التجمّل ، على أيّ حالٍ ، ليس سوى شكلٍ من أشكال التخفّي · إنّه قناعٌ آخر لمواراة خوفنا من أن نُرى كما نحن ·· قناعٌ لا يكفي لإخفاء الوجه ، لكنّه ، مع ذلك ، يجعل الكائن بلا وجهِه ·
ü
حين تحاول أن تتذكّر وجه أمّك أو حبيبتك ، الّتي فارقتها قبل خمس دقائق فقط ، تعجز تمامًا ، وتعجز حتّى حين تحاول أن تتذكّر وجهك أنت ، هذا الّذي تحاول ، كلّ يومٍ ، أن تجمّله لكي ينال الرضى · لكنّك لا تحاول ، أو لا تجرؤ على قراءته كما هو ·· كما يكتب نفسَه ، لا كما تحاول أنت أن تكتبه · لقد حاول ( فرتر ) ، الّذي كان رسّامًا جيّدًا ، أن يرسم صورةً لشارلوت ، فلم يتمكّن سوى من رسم خطوط طيفها ، ووقع أسيرًا لذلك الطيف ·
إنّ أوّل ما نتفقّده ونحدّق فيه لنتعرّف على أنفسنا ـ حين نراجع صورَنا الأولى في الطفولة والصبا ـ هو وجوهنا ؛ ثمّ نكتشف أنّ لنا وجوهًا بعدد ما لنا من صوَر · لكنّ كلّ لحظةٍ في الحياة هي ، في الواقع ، وجهٌ آخَر من وجوهنا ، فالوجه ليس مسرحًا ثابتًا لصوَرِنا الباطنة المتحرّكة ، بل هو حركة انفعالاتٍ لا تهدأ ولا حتّى بالموت · لهذا تثير الصورة أسىً لا نتقن الإفصاح عنه · ذلك الأسى ، الّذي نسمّيه ، أحيانًا ، بالحنين إلى الماضي ، ليس سوى حنينٍ إلى وجوهنا الكثيرة الممحوّة ·· وجوهِنا ، الّتي لم نكن نخاف كثيرًا من أن تراها العيون كما هي ، ولم يكن يشوّهها أيّ أثاثٍ فاحش ·
يبقى السؤال محيّرًا : ما الّذي يجعل جماعاتٍ بشريّةً بأكملها تضع الأقنعة على وجوهها ؟ ما هو التفسير الحقيقيّ للقناع الإفريقيّ، ولثام رجال الطوارق دون نسائهم ، وقناع الهنود الحمر، وحجاب المرأة ؟ ما هو التفسير الحقيقيّ للثام الانتفاضة ؟ وهل القناع ، حقًّا ، مجرّد حيلةٍ نفعيّة ؟ أليس ثمّة سببٌ آخَر مقنعٌ غير المنفعة ؟
نعلم أنّ لثام الطوارق يخدم غرضًا مكشوفًا : حماية الوجه · لكن لمَ لا تضع المرأة الطوارقيّة القناع لحماية وجهها أيضًا ؟ ونعلم أنّ حجاب المرأة هو لستر ما يعتَقَد بأنّه عورة · لكن لماذا يضع رجلٌ، كالمقنّع الكِنديّ مثلاً ، قناعًا على وجهه ؟ ونعلم أنّ لثام الانتفاضة يهدف إلى الاحتماء من العدوّ · لكنّنا نعلم أنّ العدوّ لم يعد يحتاج بعد إلى إماطة اللثام لكي يتعرّف على صاحبه ·
أمّا قناع الهنديّ الأحمر والقناع الإفريقيّ فيهدفان إلى طرد الأرواح الشرّيرة ·· إلى طرد الخوف من الغائب والمخفيّ وما لا وجهَ له · إنّهما قناعان صافيان لأنّهما لا يخفيان طقوسيّتهما بأهدافٍ نفعيّة ·
إذن ، أليس ثمّة بعدٌ طقوسيّ للأقنعة كلّها ، سواء منها ما هو نفعيّ وما هو غير نفعيّ ؟
ü
القناع لا ينفع لإخفاء الوجه · لكنّه يسدل ستارة المسرح الّذي في الوجه · كأنّ الكائن ، حين يخبّئ وجهه ، يحاول أن ينسحب إلى الداخل بعيدًا عن العيون الّتي تحاصره وتسعى إلى نهبه واحتلاله· لذا ، فإنّ لكلّ وجهٍ أقنعةً يحاول ، من خلالها ، أن يحوّر ذلك التوسّل الفطريّ المحفور فيه ·· ذلك التوسّل الّذي تملكه وجوهنا ولا نملكه نحن ، والّذي نراه فينا فنقشعرّ خوفًا من أنفسنا على أنفسنا، ونراه في سوانا فنبدّد شيئًا من خوفنا منه·
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثمرة الجوز القاسية | السمات:ثمرة الجوز القاسية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























